المقدسيون: بيوتنا ملك الأمة




الكاتب: عزيز العصا

نقلا عن وكالة معا: لا يمكن الحديث عن القدس، وهي من أقدم المدن المأهولة في العالم، دون الغوص في أعماق التاريخ، وما يعني ذلك من اكتشاف الدرر الثمينة من حضارات كل العصور والأزمان؛ فلا يوجد حضارة إلا ولها في هذه الجغرافيا بصمة واضحة جلية.. كيف لا وكل الديانات السماوية، بلا استثناء، تلتصق بالقدس و/أو تلصق القدس بها.. فأضحت مقدسة، بكل المعايير والمقاييس والتعريفات الدقيقة لمعنى القدسية والمقدس، سواء بمفهوم المكان أم بمفهوم الزمان.

فقد استوطنها البشر وعمروا فيها منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد؛ أي منذ (6000) سنة.. واشتدت الصراعات حولها، عبر التاريخ، فتعرضت القدس للتدمير مرتين، وحوصرت 23 مرة، وهوجمت 52 مرة، وتمّ غزوها وفقدانها مجددًا 44 مرة (موسوعة ويكيبيديا).

وعليه، فإن من حق الباحث/ الكاتب أن يغرف ما يشاء من بطون الكتب التي خطها جهابذة التأريخ الذين اتصفوا بالحيادية والموضوعية في كل ما كتبوا، لكي تنجلي الصورة للأجيال التالية، ولكي يتحدث الواحد منهم وهو متكئ على صخرة صلبة من العلم والمعرفة النابعة من الوثائق التي لا يشوبها شائبة، ولا يُنتَقَصُ منها حرف ولا يُزاد عليها إلا ما يعززها ويزيدها وضوحاً.

ولكي نجمع بين التاريخ العميق والمعاصرة، وفي مثال حي على أن التاريخ يعيد نفسه، فقد جمع هذا المقال بين بياناتٍ استقاها الكاتب من كتاب "القدس" للمؤرخ المعروف "عارف العارف"، وما تحدث به المرحوم عبد الله البديري ابن القدس الذي عايشها منذ طفولته المبكرة حتى شيخوخته المتأخرة عبر ما يقرب قرن من الزمن (1922-2011م).

يشير التاريخ البعيد، وفق كتاب عارف العارف، إلى أن القدس بكل مسمياتها عبر التاريخ (يبوس، بيت المقدس، أور سالم، أورشليم... الخ) كنعانية الأصل والفصل والتسمية، وأما التحريفات الصهيونية لتلك التسميات فتأتي من باب التزوير الذي يمارسه الأقوياء والمنتصرون في كل العصور. كما يشير إلى أن العبرانيين وبني إسرائيل كانوا كلما احتلوا مدينة (ويبوس واحدة منها) أعملوا السيف فيها وفي سكانها (عارف العارف، ص 12). وفي العام (1049 ق. م.) احتلها داود ملك اليهود بعد ألفي عام من حكم الكنعانيين لها، فاقتبسوا من حضارتها الكنعانية وسكنوا بيوتاً كبيوت الكنعانيين ولبسوا ثياباً كثياب الكنعانيين.. وبعد هذا كله، فهل يبقى من مجالٍ لتزوير التاريخ؟!

أما التاريخ القريب، وفق رواية عبد الله توفيق البديري من مواليد شوال 1340هـ، وفق 16/6/1922م، وانتقل إلى رحمته تعالى في 5/حزيران/2011م، والدته تركية، ويعود وجود عائلته في القدس إلى مؤسس العائلة الشيخ الشاعر محمد بن بدير الشهير بابن حبيش، والذي يُعتَقَدُ بأنه حضر مع حملة احمد باشا الجزار، فيشير إلى أن أهل القدس الأصليين لم يتذوقوا طعماً للراحة منذ دخول الإنجليز/ اليهود إلى بيت المقدس الذي عانى أهله شظف العيش وقسوته. ولعل في السرد التاريخي التالي الذي أورده المرحوم البديري الذي قابلته 3 مرات في العامين 2009 و2010 بصحبة الصديقين: عصام البشيتي/ التربوي المقدسي وجمال طلب العملة/ الباحث الفلسطيني، ما يعزز المقولات التاريخية حول الظلم الذي يحل بأهل القدس كلما داهمها احتلال. وفي ذلك يقول:
أولاً: ثورة البراق: انطلقت في العام 1929، فكان وقودها باهظاً، ومما أذكره قصة الشاب كامل النابلسي أبو شقرة، الذي وقع طربوشه (اسمه مثبتٌ عليه) أثناء إحدى المظاهرات بينما كان ذاهباً إلى طبيب الأسنان "الدكتور الشاغورية" ليركب سن ذهب. حيث بدأ الانجليز يفتشون عنه فاعتُقِلَ ليحاكم بتهمة الإخلال بالنظام العام والمشاركة في الثورة ضد المحتل الانجليزي، فحُكِمَ بالإعدام.. منذ تلك اللحظة بدأت أفهم ما هو الاستعمار وماذا يريد. ثانياً: إضراب، ثورة، اعتقال وتشرد:

إضراب العام 1936م:
خلال إضراب 1936 تعطلت المدارس 6 اشهر، وكنا نعاقب الطلبة الذين يداومون بأن نمزق حقائبهم المدرسية، ونلاحق باعة الخضار بإتلاف بضاعتهم، ونضع مسامير في الكرتون ثم نلقيها في الشارع لنعطل السيارات لكي لا يتحرك شئ على الأرض. وبعد توقف الإضراب تم ترفيعنا جميعاً للصفوف الأعلى. وفي تلك الحقبة الزمنية علق مصطفى النحاس/ رئيس وزراء مصر على الوضع في فلسطين، بقوله: "فلسطين دي اد الحتة تحارب الانجليز وجها لوجه، دول الفلسطينيين أبطال بيحاربو اكبر دولة في العالم".

هجوم القدس القديمة:
في أيلول 1938م سيطر الثوار على القدس القديمة لمدة أسبوع كامل، وكان قائدهم الخطاط المعروف شكيب القطب. أما المقاتلون فكانوا لا يتجاوزن الـ (30) ولدا، هم الذين ساعدوا في إشعال الثورة. كان الثوار يمتلكون بندقيتان فقط، تعطلت إحداهما منذ أول ضربة حيث استشهد حاملها وهو عوض النابلسي عندما اصطاده قناص انجليزي من جهة المتحف، من القناصة الذين كانوا يسيطرون على القدس القديمة. أما البندقية الأخرى فكان يحملها صاحب مقهى في قرية الطور يدعى "الدبس".

بعد أسبوع اقتحمت فرقة البلاك ووتش (Black Watch) الانجليزية القدس القديمة، بعد أن أطلقت النار على كل شيء يمشى حتى على القطط. وقد قام بهذه المهمة، واستشهد في ذلك الاجتياح أكثر من مئة مقدسي منهم أطفال، وأصيب المئات الآخرون، ولكنهم لم يدخلوا الحرم فنجا من هم بداخله، وأذكر من بين المصابين ممدوح عاطف البديري الذي أصيب بثلاث رصاصات، وقد نجا منها ليستشهد عام 1948 في قلعة صلاح الدين أثناء معركة صفد.

الاعتقال والمعتقلات:
• بعد اقتحام القدس القديمة بأسبوعين اعتقلت مع مجموعة من الشباب والرجال في المسكوبية لمدة 10 أيام، حيث تعرضنا، خلالها، لأشكال شتى من التعذيب، أكثرها إيلاماً هو سكب الماء على الفم والأنف والمعتقل ملقى على ظهره، ثم الملح الخشن لفرك الأعضاء الحساسة. أما الذي كان يقوم بهذه المهمة غير الإنسانية فهو اليوناني روبنسون الذي كان يُتقِن اللغة العربية، إضافة إلى فيشر الإنجليزي. ولوحظ، في تلك الف ترة، نشاط الجواسيس الذين كانت الثورة تتصدى لهم وتقتلهم كلما سنحت الفرصة للظفر بأحدٍ منهم. نقولها دون خجل على قاعدة أن لا يوجد قمح دون أن يكون فيه زوان .

• بعد التحقيق، نقلونا إلى أول معتقل كان في دير الشعار، عبارة عن حفرة كان الجنود البريطانيون يستعملونها للتبول. ولم يتوقفوا عن ذلك فكانوا يبولون علينا صباحاً. كان معنا أنور الخطيب التميمي/ محافظ القدس سابقا، وتقاسمنا الخبز والسجائر التي كنا نختلسها من حراسنا البريطانيين ومكثنا هناك حوالي شهر، حيث نُقِلنا إلى سجن علار في طولكرم لمدة شهرين، ثم إلى دار حنظل في بيت لحم بالقرب من مدرسة دار جاسر، ثم نقلنا إلى دار ج اسر. وفي 16/6/1939، وفي أجواء الحرب العالمية الثانية أُفرغت السجون، فأُطلق سراحي.

• لم تطل الأيام حتى قمتُ بشراء مسدس، فأطلقتُ النار منه على الجيش البريطاني، ثم هربتُ لاختبئ في سيارة. وبقيتُ في السيارة حتى دخلها صاحبها صباح اليوم التالي، وتحت تهديد السلاح أجبرته على أن ينقلني إلى المكبر (ضاحية من ضواحي القدس). وهناك التجأتُ إلى صديق من السواحرة هو حمدان الحسن البلهيدي، الذي كانت عائلته تقطن منطقة وادي النار ومعلقات الشيخ سعد. أمضيت فترة هناك، هارباً، إلى أن توجهتُ إلى شرق الأردن، حيث التحقت بالجيش العربي للفترة 1939م -1946م.

ثالثاً: قُبيل النكبة وبعدها
• في عام 1947 صدر قرار التقسيم دون أن يعترض عليه الكثير. ويومها رأيت اليهود يرقصون في شارع بن يهودا. وعندما لمحوني دعوني للرقص معهم، فمررت عنهم مسرعاً لأكمل مشواري وأعود إلى عملي.

• في اليوم التالي رأيت النيران مشتعلة في سوق الشماعة، حيث كان الانجليز يخلعون أبواب اليهود لكي يحرقها العرب وهم ينظرون. وفي آخر النهار أحرق اليهود سينما ريكس (Rex)، علماً بأن ملكيتها تعود إلى يهود وشركاؤهم من دار الأعمى من بيت لحم.

• هكذا بدأت الاشتباكات بين اليهود والعرب برغبة بريطانية واضحة. حيث كان الفلسطينيون يمتلكون مسدسات فقط. علماً بأنه في حزيران/1946م اكتشف الانجليز مخبأ ذخائر لليهود تُنقَلُ على الونش في الباجور وهي مستعمرة بين عكا وحيفا.

قومية المعركة:
بعد أن وجد أهل القدس أنفسهم في هذا الحال المزري مقارنة مع قوة اليهود، ذهبوا لطلب نقود من الحاج إبراهيم مانجو، النابلسي الأصل، الذي بنى الكلية الاسلامية في الأردن، فقال لهم: أنتم لستم بحاجة للمال بل انتم بحاجة للرجال، فجمع مجموعة من الجنود الاردنيين المسرحين بقيادة بركات طراد الخريشة (والده شيخ عشيرة الخريشات الأردنية).

• تمركز الخريشة/ ابو حضرم في المطلع، والتقيت القائد الخريشة/ أثناء صلاة جمعة فطلب مني مساعدتهم، فنفذت التعليمات فوراً بأن أحضرت خطة هجوم اليهود من خلال ضابط بريطاني هو الكابتن تيموثي، الذي قرر أن يخدم العرب. حيث ذهبت للقيادة الانجليزية برفقته، فزودني بمعلومات عن جميع تحركات اليهود، بخاصة قائد القدس اليهودي "شلتبئل" الذي خدم في الجيش الفرنسي في الفرقة الأجنبية، كما ورد في الخطة التي أحضرها لي تيموثي.

• قمتُ، أنا بدوري، بنقل تلك المعلومات إلى القيادة العربية للقدس، وهي قيادة الجهاد المقدس، أذكر منهم: منير أبو فاضل/ لبناني وضابط شرطة سابق، خالد الحسيني/ فلسطيني ضابط شرطة سابق، فاضل عبد الله الرشيد/ عراقي قائد جيش الإنقاذ وخالد الدزدار/ صحفي فلسطيني من دار العسلي. أوصلتُ لهم كل ما لدي.

النتيجة، احتُلَّت القدس بسهولة ويسر، لأن القتال كان بين طرفين غير متكافئين؛ فعديد اليهود يزيد عن عشرة آلاف مقاتل بين طفل وامرأة وجندي وضابط، أما نحن فلم يكن لدينا جنود نظاميين، ولم نكن قد أعددنا أنفسنا جيداً، لأن مطرقة الانجليز لم تدع لنا فرصة أن نرفع رؤوسنا منذ دخولهم إلى أرض فلسطين. وبعد طول تنهيد، قال المرحوم البديري: للنصر أباءٌ كثيرون، أما الهزيمة فهي يتيمة. كما ذَكَّرَ الجميع بقول الشاعر العراقي معروف الرصافي:
قد كان لي وطن ابكي لنكبته واليوم لا وطن عندي ولا سكن
ولا أرى في وجوه كنت اعرفها إلا حثالة ناس قاءها زمن

رابعاً: من النكبة إلى النكسة:
أما الأمر الذي لا يُنسى، والذي يعبر تعبيراً حياً عن طبيعة الصراع على القدس وفي القدس وحول القدس، فتتلخص بقصة محاولة شراء بيتي بعد هزيمة العام 1967م (وهو العام الذي أُطلِقَ عليه عام النكسة).

بعد أن استقر الوضع لليهود في القدس، أخذوا يتحركون في كل اتجاه من أجل تهويد المدينة، بخاصة البيوت الملاصقة للمسجد الأقصى.. ولأن بيتي واحد من البيوت الملاصِقَةِ للمسجد الأقصى، ولأن حالي فقير بشكل لا يخفى على أحد كأب لستة أطفال، اعتقد اليهود بأن هناك فرصة مواتية للانقضاض على المنزل. فحضر يهودي يحمل شيكاً مفتوحاً ليعرض علي أن أضع الرقم الذي أُريد. فقلت له بلهجتي البدوية التي تعلمتها منذ خدمتي في الجيش العربي، لا أريد شيكاتك، وأنهيت اللقاء بأن أشحتُ بوجهي عنه لكي يغادر دون وداع.

اعتقد اليهودي بأن هذا البدوي لا يعرف لغة الشيكات، وأن رزم العملات الورقية فقط هي التي تملأ رأسه. فعاد في المرة القادمة وهو يحمل حقيبة من نوع سامسونايت. وعندما فتح الحقيبة أمامي وجدتها مليئة بالدولارات من فئة (1000 دولار) كقطعة واحدة وهي تلك الورقة التي لم أرها من قبل.. نظرت إلى الحقيبة ثم أغلقتها بهدوء، وقلت: أنا لا أريد نقوداً، بل أريد بيتاً لأطفالي، فانبهر اليهودي من ذلك الطلب، واعتقد بأن الفرج قد اقترب، فقال: أي بيت تريد؟ وفي أي مكان تريد؟. فقلت له، وببساطة: أريد الكنيسيت وليس أكثر منها. رد اليهودي، قائلاً: ماذا تقول؟! ألا تعلم أن الكنيسيت ملك الأمة؛ ولا يوجد دولة اسمها إسرائيل بدون الكنيسيت. فقلت: وهذا البيت كذلك هو ملك الأمة.

التعقيب والاستنتاجات:
صحيح أن التاريخ يعيد نفسه، ولكنه لم يمر أن التاريخ يطابق نفسه كما هو الحال في رواية المرحوم البديري، التي أوصلتنا إلى قناعة أن السنين في الزمن الفلسطيني ليست كما هو حالها لدى الشعوب الأخرى. فمنذ ما قبل التاريخ والعبرانيون يحاربون خصومهم بقسوة، ولأننا من خصومهم فقد كُتِبَ على شعبنا أن يبقى، خلال ما يقارب القرن من الزمن، في حالة اشتباك دائم ومستمر مع أعدائه الاستراتيجيين الهادفين إلى طمس الهوية وبعثرة أوراق وجوده على هذه الأرض. وأن كل من يرفض الاحتلال سواء بيده أو بلسانه أو بأضعف الإيمان، سوف ينقض الاحتلال عليه بقوة مفرطة. وأن الانتفاضات الأخيرة لم تكن وليدة اللحظة، بل هي صور عما سبقها من ثورات وانتفاضات. كما أن الجواسيس هم أنفسهم، في كل الحقب والمراحل، مجموعة من الناس الذين يشبهون القطط في خدمتهم لأعداء الشعب والوطن والهوية؛ فالقط يعشق من يخنقه.

أما على مستوى المنطقة، فيبقى الفلسطينيون هم "الرقم الصعب والحاسم" في الصراعات الدائرة في المنطقة، وما تعليق النحاس الوارد أعلاه، والمشاركة المتميزة للبديري في الجيش العربي إلا نموذجاً حياً لذلك.

وأما على مستوى طبيعة المعركة التي خاضها الشعب الفلسطيني، فقد تبين لنا مدى البعد القومي للمعركة التي لا يمكن إدارتها، أو حسم مراحلها المختلفة بدون مشاركة الأشقاء بالنفس والولد، وليس بالمال وحده كما أشار إبراهيم مانجو. وفي هذا السياق يقول المرحوم البديري: لقد قاتل الجيش الأردني قتال الأبطال، ولكن جنوده رددوها مرارا: "لقد هُزِمنا ولم نرَ العدو".

وتبقى الحقيقة الساطعة أمامنا بشأن أهل القدس والخيارات المطروحة أمام كل فرد منهم في مجال المحافظة على مساكنهم والصمود فيها، فهناك من تهالك وتهاوى أمام المال فسال لعابه وارتمى على أقدام السماسرة والوسطاء متنازلاً عن أغلى ما يملك الإنسان وهو مسكنه. وهناك من نذر نفسه للدفاع عن كرامته وكبرياء أبنائه؛ فاعتبر بيته ملك الأمة وأمانة يؤديها للأجيال القادمة ولم يتعامل معه كـ "إرث من الآباء" يمكنه التصرف، بل كأمانة للأجيال التالية؛ فبقي فقيراً-كريماً-مهاب الجانب يخشاه أعداؤه ويحترمه أصدقاؤه وأبناء شعبه وسيبقى نموذجاً يحتذى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أخيراً، نتوجه لأبناء الأمة الذين يعتبرون المحافظة على كرامة فلسطين وأبنائها، بخاصة القدس التي يسعى الحوت لابتلاعها بإنسانها، وحجرها وشجرها ومقدساتها.. نتوجه إليهم مستصرخين ضمائرهم بإسناد القدس وأهلها القابضين على جمر الإغراءات والدولارات التي تتراقص أمام أعينهم، صباح مساء وفي حلهم وترحالهم، لإجبارهم على مغادرة المكان المظلم الرطب الآسن المحاصر من كل جانب الذي هو سكن الطفولة، إلى القصور والفلل الصحية-الرحبة-المضاءة بكل ألوان الطيف.. ويبقى قرارهم بأن ظلمة بيتي أكثر إشراقاً من شمس قصورهم.

لأن المرحوم عبد الله البديري هو بطل القصة، فلا مجال إلا أن ننقل للقارئ ما رواه لنا على لسان نابليون، الذي قال وهو يقف أمام أسوار عكا: هزمتني قرية اسمها عكا، وهزمني عتال من الشرق اسمه "أحمد باشا الجزار".. ونحن بانتظار "عتال" آخر من هذه الأمة يهزم أعداءها فلنردد مقولة المرحوم البديري التي اختتم بها لقاءه معنا: التاريخ ليس كتاب الماضي نتصفحه لمجرد الوقوف عند الذكريات، بل هو كتاب المستقبل الذي علينا الحرص عليه.
aziz.alassa@yahoo.com