البيان السياسي لجبهة التحرير العربية



لقد أيقظت هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) أمتنا على أنها كادت، في غمرة الانهماك في معالجة مشاكلها وأمراضها الذاتية، أن تنسى العدو الذي كان في عام 1948 سبب تنبهها إلى هذه المشاكل والأمراض.

وأوجد الخامس من حزيران (يونيو) جوا من الموضوعية والنقد الذاتي، ورفع عن الحياة العربية ضغوط الصيغ القديمة من التعصب الفئوي، والتزمت الحزبي، واحتكار الحقيقة، والاستئثار، والتنافر بين الأنظمة الثورية، وأفسح المجال للمراجعة وإعادة النظر في المفاهيم والمؤسسات. وهذا الجو أكثر ما يكون ملاءمة لحاجة العمل الفدائي وروحه وطبيعته، حيث ينتفي كل استئثار وكل انفراد وكل ضيق وكل تنابذ. فأمام الاستعمار العالمي والصهيونية والرجعية، تقف الأمة العربية مهددة في وجودها، لا تجد طريقا للخلاص إلا تضافر القوى الثورية وتجنيد طاقات الأمة كاملة في المعركة.

إن عامين انقضيا على الهزيمة قد أكدا حاجة العمل الفدائي إلى وثبة جديدة تكمل المسيرة المجيدة التي اختطها أبطال هذه الأمة حين اختاروا طريق الكفاح المسلح، وتجعل العمل الفدائي أقوى وأمنع في وجه خطر التطويق والمحاصرة الذي تتعرض له الثورة العربية في فلسطين. إن هذا الخطر يتجسد، بصورة خاصة، في محاولة حصر الثورة في نطاقها القطري، وقطع شريان الحياة الذي يصلها بمنابع القوة والقدرة والكفاءة في جماهير الثورة العربية تطلعا إلى اليوم الذي يصبح فيه بالإمكان ضرب الثورة في فلسطين

تضخيم القدرة الفلسطينية:

لقد استفادت القوى المعادية المتآمرة من حاجة العمل الفدائي الماسة، وخصوصا في منطلقه، إلى تأكيد الشخصية الفلسطينية انتزاعا للإرادة الشعبية من وصاية الأنظمة. وإبرازا لصورة الحق الضائع والشعب المشرد في فلسطين، كي تتظاهر بموالاة هذه الشخصية والاعتراف بها بل ومساعدتها عمليا على الظهور. وقصدها إعطاء هذه الشخصية طابعا منعزلا عن الشخصية العربية، بل ومتنافرا معها حيث يمكنها ذلك.

وهي تزين للعمل الفدائي إمكانية التحول إلى نظام آخر بين مجموعة الأنظمة العربية، تتمثل فيه هذه الشخصية بأكمل صورها. إن هذه القوى تضخم مرحليا من قدرة الشخصية الفلسطينية المنفصلة عن الشخصية العربية على القتال والصمود والتحرير الكامل، لتصل في النهاية إلى غايتها في دعوة الفلسطينيين إلى التخلي عن القتال والصمود والتحرير الكامل، بحجة عدم قدرتهم وحدهم على ذلك. وهكذا، تكون هذه القوى قد نقلت أبناء فلسطين من الأمل إلى اليأس غير المبرر.

وقد استفادت القوى المعادية أيضًا من تخلف الحركات العربية الثورية عن تلبية الحاجة للمباشرة الفعلية بالعمل الشعبي المسلح في فلسطين، لتصور الثورة العربية بصورة التخلي عن قضية فلسطين، لتقول بأن المرحلة السابقة كانت مفرطة بفلسطين لأنها كانت مرحلة الثورة العربية، بينما الحقيقة هي أن المرحلة السابقة لم تكن مرحلة الثورة العربية، بدليل أنها لم تكن قد وصلت إلى صورتها الصحيحة في حمل الجماهير العربية للسلاح.

وإذا كان حمل السلاح قد كان واردا جزئيا ومؤقتا بالنسبة إلى هذه الثورة، فإنها لم تكن تنظر إليه كقانون دائم للثورة وطابع ملازم لها.

الارتباط بالوحدة العربية:

ومنذ أن انطلق العمل الفدائي، وهو هدف لمحاولة تشترك فيها جهات عديدة ترمي إلى منع الثورة في فلسطين من الارتباط العلني والصريح والمبدئي بالوحدة العربية. إن الأعداء يعرفون الخطر على مصالحهم في إعلان وتوكيد مبدأ الارتباط بين تحرير فلسطين والوحدة العربية، لأنهم يقدرون حيوية هذا المبدأ وتجاوبه مع الواقع العربي ومع استعداد الجماهير العربية في كل قطر. لذلك، فهم مستعدون لتقديم التنازلات وأحيانا المعونات من أجل الوقوف في وجه هذا الارتباط. إنهم فعلوا ذلك مع كل ثورة عربية في كل قطر، وهم اليوم يكررون الشيء نفسه مع ثورة فلسطين.

إن هذه الجهات لا تقتصر على الدول الاستعمارية التي يريحها طرح كل قضية عربية على أنها قضية قطر، وتصر بنوع خاص على عدم الاعتراف بوجود أي علاقة لقضية فلسطين مع الأمة العربية ووجودها ووحدتها ونهضتها. بل تشمل أيضًا معظم الحركات اليسارية التقليدية الغربية غير الشيوعية والأنظمة الرجعية العربية. ولم تنج من أثرها بعض الفئات اليسارية القطرية في الوطن العربي. فالحركات اليسارية الغربية التقليدية كانت تتسابق في تأييد ثورة الجزائر بشرط واحد هو أن تبقى جزائرية، وبعضها اليوم يشترط الشرط نفسه في تأييد العمل الفدائي. وتفسير هذا الموقف أن الحركات ما تزال تحت تأثير النفوذ الصهيوني داخلها الذي لا يتسامح أبدا في أي مساندة تعطي لعمل عربي ذي طبيعة قومية، كما أنها غير مقطوعة الصلة تماما بالمصالح الاستعمارية، فهي تستطيع أن تتخذ موقف معارضة لأشكال معينة من الاستعمار، ولكنها لا تستطيع المضي إلى آخر الطريق في مقاومة كل أشكال الاستغلال والنفوذ الاستعماريين اللذين تشكل الوحدة العربية قضاء مبرما عليهما.

وكان هذا دوما منطق الجامعة العربية والأنظمة العربية الرجعية، سواء بالنسبة لقضية فلسطين أو بالنسبة لأي ثورة عربية. وقد تجلى هذا المنطق، وما يزال، بالتمسك بمبدأ السيادة داخل كل قطر، وبرفض الاعتراف بعلاقة الغزو الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل بالأوضاع الداخلية للأقطار العربية، وبارتباطات الأنظمة الرجعية مع الاستعمار.

كانت هذه الأنظمة ترفض، مثلا، استخدام سلاح البترول للضغط على الدول الاستعمارية، وإلغاء المعاهدات والقواعد الأجنبية في بعض الأقطار كجزء من عملية المواجهة العربية لإسرائيل. وهكذا، تبقى مساهمة الدول العربية في تحرير فلسطين في مستوى المعونات والهبات والتبرع، مما يعني مسخا لحجم المشكلة وتجاهلا لعمقها وإنكارا لواقعها الصارخ غير المجهول بأنها غزو صهيوني استعماري.

إن الأنظمة العربية، كما كانت دائمًا، لا تريد أن تترك الثورة العربية في فلسطين تصل إليها وإلى أوضاعها الاجتماعية والسياسية، وهي لذلك تستخدم حصر القضية بالفلسطينيين كأسلوب رشوة ترد به عن نفسها تفاعلات هذه الثورة.

ولا تختلف بعض الأنظمة العربية التقدمية وبعض الحركات اليسارية في الوطن العربي عن الأنظمة الرجعية، من حيث منطقها في قضية فلسطين إلا بالكم والدرجة وليس بالنوع. وهي تبني يساريتها الزائفة، بل تطرفها في هذه اليسارية، على سكوتها المشبوه والمتآمر عن هذا الارتباط العضوي بين قضية فلسطين وبين الوحدة، وتسليمها بواقع التجزئة والعمل القطري هو التعبير عن هذا السكوت. ولقاء الرضى والتقدير والدعاية في الأوساط العربية والدولية، تطالب هذه الجهات جميعها العمل الفدائي بتجاهل الارتباط العضوي بين تحرير فلسطين وحركة الثورة العربية، والاكتفاء بطرح المسألة على نطاق المعونة والنخوة والنجدة الأخوية. إن المطلوب تكرار تجربته اليوم، قد جربه العرب خلال خمسين عاما. فمنذ يوم وعد بلفور، ومن الثورة الفلسطينية المتعاقبة، وحرب عام 1948، وسلسلة الأحداث التي أوصلت إلى قيام دولة إسرائيل، اتضح عجز الثورات التي بقيت محاصرة ومخنوقة.

حرب التحرير الشعبية:

إن الرد العربي على الغزو الصهيوني الاستعماري الذي يحمل المناعة في وجه تآمر القوى المعادية لفك العمل الفدائي عن الثورة العربية هو في رفع كل مستويات الثورة العربية ونواحيها لتتجمع وتتركز وتتلخص في الكفاح الشعبي المسلح صعودا به نحو تحقيق حرب التحرير الشعبية.

إن حرب التحرير الشعبية لا تكون قد انطلقت فعلا واستحقت هذا الاسم، إلا عندما تأخذ المقاومة العربية حجمها الشعبي الضخم، واضعة ثقل التفوق العددي عند العرب، في وجه التفوق التكنولوجي الاستعماري والصهيوني، آخذة صورتها الحقيقية كمد عربي واسع وجارف يصادم مجموعة عنصرية مصطنعة ومجلوبة من أطراف العالم، وقواعد استعمارية عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية مزروعة زرعا في الأرض العربية، مستخدمة كل الإمكانات والطاقات والوسائل الهائلة التي يمتلكها الشعب العربي كله. إن مهمة هذه الحرب الشعبية أن تجند الشعب العربي كله، عن طوع وحرية، وتدخل كل عربي في المعركة جنبا إلى جنب مع الجيوش العربية التي هي في تكوينها شعبية وكادحة، وفي روحها باسلة ومؤمنة، انطلاقا من أن هذه المعركة تحتاج إلى اشتراك كل عربي فيها.

إن حرب التحرير العربية، وهي تشكل تيار الكفاح المقدس ضد وجود العدو الاستعماري الصهيوني ومصالحه حيث كانت على طول امتداد الوطن العربي، تشكل إحدى الجبهات العالمية الأساسية في مقارعة الإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وتبني الأساس الراسخ لمجتمع إنساني تسود فيه الحرية والسلام وينتفي فيه كل شكل من أشكال الاستغلال. لقد قصرت الحركة العربية الثورية في بناءً الثورة العربية، لأنها لم تعط هذه الثورة صورة الكفاح الشعبي المسلح، وسيبقى الكفاح الشعبي المسلح مقصرا عن الوصول إلى مستوى حرب التحرير الشعبية إذا لم يتصل بمبادئ العقيدة العربية الثورية. القومية والاشتراكية والديمقراطية: إن العمل الفدائي المؤهل لان يمثل وجود الأمة العربية الكامل في فلسطين، هذا الوجود الكامل الذي لا غنى عنه في تحقيق التكافؤ مع القوى الهائلة التي يضعها الاستعمار والصهيونية والرجعية في المعركة، هو الكفاح الشعبي المسلح المتصف بصفات القومية والاشتراكية والديمقراطية.

إن قومية الكفاح الشعبي المسلح من شأنها أن تؤمن امتداد الوعي إلى كل أجزاء الأمة بالخطر على وجودها من الغزو الصهيوني والاستعماري والالتزام بالتصدي لهذا الخطر. إن توجه العرب نحو فلسطين يصنع الوحدة وهو يحرر فلسطين، وبقدر ما تعيد الوحدة لفلسطين حريتها، فإن فلسطين تعيد للعرب وحدتهم. إن فلسطين هي طريق الوحدة والوحدة هي طريق فلسطين، وكل محاولة للفصل بين الشعارين ووضع الواحد في وجه الآخر هي أضعاف لمعركة التحرير وإساءة إليها مثلما هي أضعاف للوحدة وإساءة إليها.

وبعد اليوم لن يقبل الشعب العربي وحدة إلا إذا كانت متوجهة منذ البدء نحو التحرير، ولن تقوم وحدة إلا على يد الجماهير المتوجهة نحو فلسطين. كما أن الشعب لن يصدق بقدرة جبهة على التحرير، إلا إذا سارت إليه بقوة الوجود العربي كله، أي بقوة الرابطة القومية المجسدة بأداة قومية وبتنظيم يضم مقاتلي الوطن العربي كله.

واشتراكية هذا الكفاح هي وحدها القادرة على توعية جماهير الشعب العربي الكادحة، وتعبئتها تعبئة ثورية، ورفع مستواها وتنظيمها وكفاءاتها، عازلة بذلك كل الطبقات والمؤسسات والأنظمة المرتبطة تاريخيا بمصالح الاستعمار ووجوده السياسي والاقتصادي، والمتضررة من الأجواء الثورية التي يولدها الكفاح المسلح في فلسطين المهددة بالتساقط عند أية خطوة تغييرية تفرضها الحاجة إلى رفع مستوى المساندة لهذا الكفاح. إن هذه الطبقات تتحرك ضد الثورة إما بالمجابهة المباشرة أو بالالتصاق بها وبتنظيماتها، امتصاصا لجذريتها، ومنعا لامتدادها، وتعطيلا لمسيرتها الطويلة.

والاشتراكية هي الضمان لبقاء القيادة في يد الجماهير الكادحة صاحبة النفس الأطول والمصلحة الأبقى في إيصال هذا الكفاح إلى مستوى الحرب الشعبية.

كما أن الصفة الاشتراكية والتقدمية لهذا الكفاح تضعف من فعالية الدعاية الصهيونية والاستعمارية في خداع الشعوب وتصوير إسرائيل كدولة يراد لها أن تكون ملجأ لشعب مضطهد وشعب راق متقدم، وتكشف الحقيقة العنصرية الاستعمارية لإسرائيل أمام كل ضمير حر في العالم، بل ترفع عن اليهود أنفسهم سيطرة الحركة الصهيونية، وتظهر لهم حقيقة القضية العربية وعدالتها. وديمقراطية هذا الكفاح تكمن فيه الصلة بعقل الشعب وروحه، وتحميه من أمراض الوصاية والغرور والانفراد، ومن مخاطر الانحراف والتحلل من المبادئ والقيم الثورية ومن التحجر البيروقراطي والتضخم في المؤسسات، وتمده بروح من السلامة والصراحة في علاقة القيادات القواعد، وتخلق لكل فرد مكانا في المعركة يؤدي فيه واجبه كاملا ويطلق طاقاته.

جبهة التحرير العربية:

إن النبض الثوري الذي تنتفض به روح امتنا منذ الخامس من حزيران (يونيو)، إذ يشد الأمة إلى جرحها الكبير في فلسطين، ويجعل من المجابهة المسلحة للعدو المحك الصادق لجدية الإنسان لعربي في ارتباطه بوطنه وفي إخلاصه للقيم والمثل، لا يمتحنها في قدرتها على الفداء فحسب، وإنما يمتحنها في إدراكها لقدرة العلم وضرورته لأي كفاح ثوري. ويضعها أمام تحدي جعل العلم في خدمة الثورة، ورفع الثورة في فكرها وتنظيمها وتخطيطها وأدوات عملها إلى المستوى العلمي والفني التقني القادر والنامي باستمرار، وبلوغ هذا المستوى والتطلع إليه هو أمارة أساسية لصدق أي أنظمة ثورية مع نفسها ومهمتها.

إن قوة جديدة تدخل اليوم ساحة الفداء باسم جبهة التحرير العربية، تشق أمام الثورة دربا جديدا خوضها تحت راية العقيدة العربية الثورية وبتنظيم قومي يضم مقاتلين عربا، من جميع أطراف لوطن العربي، عاهدوا أمتهم الخالدة على أن يعيدوا إليها فلسطينها ويجبلوا تراب الأرض المقدسة الدم العربي الثائر.

إن جبهة التحرير العربية هي مفتوحة، بفكرها وتنظيمها وصيغتها الجبهوية الواسعة، لكل فئة وطنية ولكل مناضل يختار طريق الكفاح الشعبي المسلح طريقا وحيدا للأمة لكي تجابه التحدي لتاريخي المفروض عليها وترد الغزاة وتحرر الأرض والإنسان.