لماذا جبهة التحرير العربية ؟




إن الإجابة على هذا يتطلب في الحقيقة الإجابة على سؤالين يتفرعان عنه:
لماذا يجب أن تكون أداة التحرير جبهة ؟ ولماذا يجب أن تكون هذه الجبهة عربية ؟
إذ أن التحرير بما يعنيه من إحقاق للحق ، وإعادة الأرض لأصحابها ، وطرد للغاصب والمستعمر لم يعد بحاجة إلى نقاش أو تفسير ، بل أصبح أملا راسخا في مخاطر كل عربي ، وهدفا حيا تناََََضل من أجل تحقيقه كل الجماهير ال عربية ، لا بل أصبح التحرير مقياسا نعتمده في حياتنا ، ومحكا نمتحن على ضوئه جدية الأنظمة والحركات والتنظيمات وإخلاصها.
ومن هنا بات من الضروري أن نحصر نقاشنا حول السؤالين التاليين : لماذا جبهة ؟ ولماذا جبهة عربية ؟
والإجابة على السؤال الأول ، كالإجابة على السؤال الثاني ، تحتاج إلى تحليل دقيق لواقع الأمة الراهن ، ومقدرتها ، ولحاجة المعركة المصيرية التي تخوضها.

فواقع الأمة المجزأة إلى أقطار ، المفتتة ضمن حركات وتنظيمات مختلفة ، واقع صارخ لا يحتاج إلى أثبات ، ولقد تجلت عيوب هذا الواقع أكثر ما تجلت صبيحة الخامس من حزيران حين استفاق ت الأمة وسط تجزؤها وتفتت قواها ، وتشرذم أبنائها ، لتجد الهزيمة قد نفذت إليها بسرعة لا تصدق ، ولتجد العدو خلال فترة قصيرة جدا يحتل أراض جديدة تفوق الأراضي المحتلة سابقا وبإض عاف ، وبوجه هذا الواقع ، يقف العدو موحدا ، تتحالف كل تنظيماته في الوقت المناسب وتنتظم كل قواه حين تدعو الحاجة ، كما تقف وراء العدو ، حركة صهيونية عالمية واسعة الامتداد شديدة التأ ثير ، واستعمار عالمي كان يتقاسم إلى وقت قريب العالم كله بخيراته وثرواته وإمكانياته ، ورجعية داخلية تجد في ارتباطها بأعداء الأمة حماية لها من نقمة الجماهير وثورتها.

إن هذا التناقض الواضح بين واقعنا وواقع عدونا يجعل معركة المصير التي نخوضها بأشد الحاجة لكل طاقة نملكها ، ولكل تضحية نقدمها ، ولكل مستوى من النضال نقدر عليه ، ومن هنا كانت الحاجة إلى جبهة باعتبارها الإطار الأقدر على تجميع القوى المفتتة ، وتحريك الطاقات المهدورة ، والاستفادة من مستويات النضال المختلفة 0فالجبهة بكونها صيغة لتحالف يضم أكثر من فئة ، أو طبقة ، هي إقرار صريح بعجز أي فئة بمفرد ها ، بأن تقوم بمهام ومتطلبات المعركة بشكل يؤدي بها إلى النصر ، وبالفعل هذا هو واقع كافة الفئات السياسية ، والطبقات الاجتماعية ، التي استفاقت جميعها صبيحة الهزيمة لتجد نفسها لسبب أو لأخر عاجزة وحدها عن تحقيق مهام المواجهة الكاملة .

كما أن الجبهة بصفتها إطارا واسعا للقاء الجماهير الكادحة المرتبطة بالثورة حول تحقيق هدف مح دد واضح هو التحرير ، تصبح الصيغة الأقدر على أن تفسح مجالا لكل فرد من أبناء هذه الأمة كي يقوم بتقديم ما لديه في المعركة وأن يكون هذا التقديم أمرا منتظما مستمرا يؤدي تراكمه إلى تحقيق النتائج الايجابية .

وإذا كانت الجبهة صيغة فرضتها كل حروب التحرير التي خاضتها الأمم نظرا لما تستطيع أن تحشد من طاقات ، وتوفر من إمكانيات ، فان للجبهة في امتنا العربية ، وفي ظروف مواجهتها المصيرية مع أعدائها ، ضرورات أخرى نابعة من طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين القوى الوطنية والتقدمية قبل الخامس من حزيران والتي كانت مطبوعة بطابع التنابذ والتنافر والانقسام الذي دفعت ثمنه الأمة العربية غاليا .

إن هذه العلاقة السلبية التي كانت تقوم بين قوى الثورة العربية ، قد رفضتها الجماهير العربية بقسوة ، من ضمن ما رفضته بعد أن بدأت تستفيق من صدمة الهزيمة ، وأصبحت صيغة اللقاء الجبهوي بين هذه القوى ضرورة وطنية وقومية تطالب بها الجماهير كل يوم ، كما تناضل في سبيل تحقيقها كل القوى الشريفة الواعية .

ومن هنا كان للجبهة أهمية خاصة لا تنبثق فقط من حاجات معركة التحرير ، وإنما تفرضها أيضا ظروف الانقسام القاسية التي عاشتها الأمة العربية في السنوات السابقة لهزيمتها في حزيران 1967 .

ولننتقل الآن للإجابة على السؤال الأخر ، لماذا يجب إن تكون هذه الجبهة عربية .
إن نظرة سريعة إلى تاريخ حركات التحرير في الوطن العربي تجعلنا نلاحظ بكل وضوح كيف أن القوى المعادية لهذا التحرير كانت تلجأ دائما لدى يأسها من إمكانية المواجهة المباشرة إلى أسلوب حصر هذه الحركات في نطاق أقطار ها لأنها تدرك أن هذا الأسلوب هو الأكثر قدرة على أفراغ هذه الحركات من مضمونها الثوري الحقيقي وتحويلها إلى حركات تحرر شكلية أكثر طواعية لهذه القوى ، وأضعف قدرة على الرفض الجذري لمنطقها وعروضها ، كما أن حصر هذه الحركات في نطاقها القطري يمنعها من التفاعل والتأثير المتبادل مع حركات التحرير في الأقطار الأخرى بكل ما يحمله هذا التفاعل والامتداد من غنى ودعم لحركة التحرر العربية الشاملة .

إن هذا الأسلوب ليس إلا تطويرا للأسلوب الاستعماري المعروف القديم ( فرق تسد ) ، وإذا كانت القطرية تشل أية حركة تحررية في أي قطر عربي بشكل عام ، فأنها على وجه الخصوص أقدر ما تكون على تشل الحركة التي تستهدف تحرير فلسطين .

قضية فلسطين بالحقيقة ليست مجرد قضية قطر عربي ، بل هل بطبيعتها وتفاعلاتها قلب القضية العربية الذي تتجسد فيه وبشكل صارخ كافة التحديات التي تواجه الأمة العربية ، كما تتمثل في فلسطين أعلى مراكز المواجهة وأهمها بين الأمة العربية وأعدائها الاستعماريين والصهاينة والرجعيين ...

فمعركة تحرير فلسطين هي معركة ، عربية الطابع ،عربية المنطق ،عربية المحتوى ،عربية المصير .

فهي معركة بين حركة التحرير العربية من جهة ، وبين الاستعمار والصهيونية والرجعية من جهة أخرى وهي معركة الأمة العربية في دفاعها عن وجودها ، ووحدتها ، ونهضتها ، ضد القوى التي اختارت فلسطين منطلقا لتوسعها على حساب الوجود العربي ، وحاجزا يعيق قيام وحدة الأمة العربية ، وجسرا تعبر فوقه مصالحها على حساب نهضة الأمة ونموها وتقدمها .

وهي معركة تحتاج ، نظرا لما تحشد فيها إسرائيل من إمكانيات الحركة الصهيونية العالمية ، ونفوذ الاستعمار وخيانة الرجعية ، إلى حشد هائل بالمقابل يكون مداد الأمة العربية ، ومادته الجماهير العربية ، وإمكانياته الخيرات والطاقات العربية كلها .

وهي معركة لم يشأ العدو ذاته أن يحصرها في قطر واحد ، بل أمتد بعد الخامس من حزيران ليحتل أراض سورية ومصرية بالإضافة إلى أرض فلسطين ، كما أخذ يهدد باحتلال أراض جديدة قد تكون هذه المرة على حساب الأردن أو لبنان أو العراق 000 وهكذا لم يعد الخيار متروكا ، أن تكون المعركة عربية أو لا تك ون ، بل لقد فرض العدو عروبتها ، ويفرضها كل يوم عبر ممارساته واعتداءاته وتصريحاته .

وإذا كانت تلك المعركة عربية أولا وأخيرا … فهل يعقل بأن تخاض بغير أداة عربية ، بغير تنظيم قومي يعبئ المقاتلين العرب في كل أقطار الوطن العربي ؟

إن هذه الأداة العربية هي وحدها التي تستطيع أن تحشد كافة إمكانيات الأمة وتستنفر كل طاقاتها وتتوجه بها إلى الجزء الأكثر تعرضا وتحسسا بالألم من أجزائها .. إلى فلسطين …

وهذه الأداة هي وحدها القادرة على أن تجعل من الملايين العربية المائة قوة حقيقية على طريق التحرير .

وهي أيضا الوحيدة القادرة على أن تجسد وحدة النضال العربي على أرض فلسطين بكل ما في هذه الوحدة من منابع القوة والقدرة ، وبما تحمله من إمكانية التطور نحو الوحدة العربية الحقيقية .

وهي وحدها القادرة بتركيبها العربي القومي على أن تمحو في لهيب المعركة والى الأبد الفروق القطرية والإقليمية التي تحاول قوى الاستعمار والصهيونية منذ قرون أن تغذيها وتقويها لتحيل الوطن العربي إلى مجموعة من الكيانات الهزيلة العاجزة عن المواجهة ا لجدية مع تلك القوى ، والأميل بطبيعتها إلى المساومة والتفريط .

وهذه الأداة بحكم امتداد جذورها في الأرض العربية كلها ، هي وحدها القادرة على أن تكون طليعة فعلية لحرب تحرير شاملة للوطن العربي كله وتتكون مادتها من الجماهير العربية كلها ، تلك الحرب التي هي في أساس انتصارنا ومواجهة التفوق التكنولوجي والعلمي للعدو علينا .

كما أن هذه الأداة هي وحدها القادرة على أن تعطي تلك الحرب ، صورتها الحقيقية كمد عربي واسع جارف يصادم مجموعة عنصرية مصطنعة ومجاوبة من أطراف العالم ، وقواعد استعمارية عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية مزروعة زرعا في الأرض العربية ، وهل يعقل أن تكو ن حرب بهذا المستوى غير الحرب التي يكون مجالها الساحة العربية كلها ، وجندها الجماهير العربية الكادحة الفقيرة .

إن هذه الأداة العربية الشعبية ليست في حقيقتها سوى تعبير عن يأس الجماهير العربية من قدرة الأنظمة العربية على توحيدها وتوحيد نضالها وكفاحها ، لا بل وتشكيك في نوايا هذه الأنظمة ، تماما كما كان العمل الفدائي الفلسطيني في أول انطلاقه تعبيرا عن يأس الج ماهير من قدرة الأنظمة العربية على مجابهة العدو ومصادمته ، لا بل وتشكيك بنواياها وجديتها في ذلك المجال .

وهذه الأداة العربية الشعبية بفتحها الأبواب واسعة أمام الشعب العربي ليتوحد حتى يكون قتاله أشد إيلاما في العدو وأكثر فعالية في مواجهته ، تتشابه مع العمل الفدائي الفلسطيني الذي فتح الأبواب أمام الجماهير لتحمل السلاح بيدها وتقاتل دفاعا عن أرضها .

وهذه الأداة في الأمرين هي تطوير لأدوات المقاومة وإكمال للمسيرة البطولية التي شقها رواد العمل الفدائي قبل سنوات .

إن الترابط العضوي بين تحرير فلسطين والوحدة العربية قد أدركته الجماهير العربية منذ زمن طويل حين رفعت شعارات مثل : فلسطين طريق الوحدة ، والوحدة طريق فلسطين .

وأن أشد ما يخشاه الصهاينة والاستعماريون هو أن يترجم هذا الترابط إلى عمل يومي ، وإلى جهد دؤوب منظم ، لان في مثل هذا تكمن أمكانية الانتصار العربي ليس فقط على إسرائيل وإنما على كافة عوامل الاستغلال والاستثمار والتخلف .

وأن أوضح ترجمة لهذا الترابط هو أن تقوم جبهة عربية التركيب ، عربية النظرة ، عربية الامتداد ، من أجل تحرير فلسطين ، إذ أن هذه الجبهة حين تأتي بالمقاتلين العرب من أطراف الوطن العربي الكبير ليقاتلوا على أرض فلسطين ، إنما تكون بذلك نواة الوحدة العربية على الأرض التي أراد لها أعداء الأمة أن تكون حاجزا بوجه الوحدة العربية ، وعلى التراب الذي تنمو فوقه واحدة من أعظم التجارب الثورية في العالم زخما وعمقا وقوة .

وقيام جبهة عربية لتحرير فلسطين يقضي وإلى الأبد على الطرح الجامد الذي يسأل : أيهما قبل الأخر ، الوحدة أم تحرير فلسطين … إذ أن مثل هذه الجبهة " تصنع الوحدة وهي تحرر فلسطين ".